الشيخ السبحاني

414

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً « 1 » . وجه الاستدلال بهذه الآية على أن رحمته تشمل غير التائب من الذنوب ، أنه سبحانه نفى غفران الشرك دون غيره من الذنوب . وبما أن الشرك يغفر مع التوبة ، فتكون الجملتان ناظرتين إلى غير التائب . فمعنى قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ، أنّه لا يغفر إذا مات من أشرك بلا توبة . كما أن معنى قوله : وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ، أنه يغفر ما دون الشرك من الذنوب بغير توبة لمن يشاء من المذنبين ، ولو كانت سائر الذنوب ، مثل الشرك ، غير مغفورة إلا بالتوبة ، لما حسن التفصيل بينهما ، مع وضوح الآية في التفصيل « 2 » . وقد أوضح القاضي دلالة الآية على ما يتبناه الجمهور بوجه رائع ، ولكنه - تأثرا بعقيدته الخاصة في الفاسق - قال : « إنّ الآية مجملة مفتقرة إلى البيان ، لأنّه قال : « ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء » ، ولم يبين من الذي يغفر له . فاحتمل أن يكون المراد به أصحاب الصغائر ، واحتمل أن يكون المراد أصحاب الكبائر ، فسقط احتجاجهم بالآية » « 3 » . أقول : عزب عن القاضي أن الآية مطلقة ، تعم كلا القسمين ، فأيّ إجمال في الآية حتى نتوقف . والعجب أنه يتمسك بإطلاق الطائفة الأولى من الآيات ، ولكنه يتوقف في إطلاق هذا الصنف . نعم ، دفعا للإغراء ، وقطعا لعذر الجاهل ، قيّد سبحانه غفرانه بقوله : لِمَنْ يَشاءُ ، حتى يصد العبد عن الارتماء في أحضان المعصية بحجة أنه سبحانه وعده بالمغفرة . ثم إنّ القاسم بن محمد بن علي الزيدي العلوي المعتزلي ، تبع القاضي في تحديد مداليل هذه الآيات وقال : « آيات الوعيد لا إجمال فيها ، وهذه الآيات ونحوها مجملة ، فيجب حملها على قوله تعالى : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ

--> ( 1 ) سورة النساء : الآية 48 . ( 2 ) مجمع البيان ، ج 2 ، ص 57 بتلخيص . ( 3 ) شرح الأصول الخمسة ، ص 678 .